ابن كثير

220

البداية والنهاية

وخرج منها التفت إليها وبكى وقال لمولاه : يا مزاحم ، نخشى أن نكون ممن نفت المدينة - يعني أن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد - وينصع طيبها . قلت : خرج من المدينة فنزل بمكان قريب منها يقال له السويداء حينا ( 1 ) ، ثم قدم دمشق على بني عمه . قال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم . قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : خرجت من المدينة وما من رجل أعلم مني ، فلما قدمت الشام نسيت . وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد بن زيد ، عن معمر عن الزهري قال : سهرت مع عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فحدثته ، فقال : كل ما حدثت فقد سمعته ولكن حفظت ونسيت . وقال ابن وهب عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري قال قال عمر بن عبد العزيز : بعث إلي الوليد ذات ساعة من الظهيرة ، فدخلت عليه فإذا هو عابس ، فأشار إلي أن اجلس ، فجلست فقال : ما تقول فيمن يسب الخلفاء أيقتل ؟ فسكت ، ثم عاد فسكت ، ثم عاد فقلت : أقتل يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ، ولكن سب ، فقلت : ينكل به ، فغضب وانصرف إلى أهله ، وقال لي ابن الريان السياف : اذهب ، قال : فخرجت من عنده وما تهب ريح إلا وأنا أظن أنه رسول يردني إليه . وقال عثمان بن زبر : أقبل سليمان بن عبد الملك وهو أمير المؤمنين ومعه عمر بن عبد العزيز على معسكر سليمان ، وفيه تلك الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال ، فقال سليمان : ما تقول يا عمر في هذا ؟ فقال : أرى دنيا يأكل بعضها بعضا وأنت المسؤول عن ذلك كله ، فلما اقتربوا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائر بها ، ونعب نعبة ، فقال له سليمان : ما هذا يا عمر ؟ فقال : لا أدري ، فقال : ما ظنك أنه يقول ؟ قلت : كأنه يقول : من أين جاءت وأين يذهب بها ؟ فقال له سليمان : ما أعجبك ؟ فقال عمر : أعجب ممن عرف الله فعصاه ، ومن عرف الشيطان فأطاعه ، ومن عرف الدنيا فركن إليها . وتقدم أنه لما وقف سليمان وعمر بعرفة ورأى سليمان كثرة الناس فقال له عمر : هؤلاء رعيتك اليوم وأنت مسؤول عنهم غدا . وفي رواية وهم خصماؤك يوم القيامة ، فبكى سليمان وقال : بالله نستعين . وتقدم أنهم لما أصابهم ذلك المطر والرعد فزع سليمان وضحك عمر فقال له : أتضحك ؟ فقال : نعم هذه آثار رحمته ونحن في هذه الحال ، فكيف بآثار غضبه وعقابه ونحن في تلك الحال ؟ وذكر الامام مالك أن سليمان وعمر تقاولا مرة فقال له سليمان في جملة الكلام : كذبت ، فقال : تقول كذبت ؟ والله ما كذبت منذ عرفت أن الكذب يضر أهله ، ثم هجره عمر وعزم على الرحيل إلى مصر ، فلم يمكنه سليمان ، ثم بعث إليه فصالحه وقال له : ما عرض لي أمر يهمني إلا خطرت على

--> ( 1 ) في هامش المطبوعة : السويداء أرض كان يملكها عمر بن عبد العزيز واستنبط فيها من عطائه عن ماء ، وله فيها قصر مبني ، ولما تنازل لبيت المال عن جميع ما ورثه عن آبائه أبقى السويداء وخيبر لأنه اطمأن إلى انهما حلال خالص ليس في أية شبهة ، وكان هو خليفة يأكل من غلتها وينفق ما يزيد عن الضرورة .